ابن أبي العز الحنفي
226
شرح العقيدة الطحاوية
وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته صلى اللّه عليه وسلّم ربّه عز وجل بعين رأسه ، وأن الصحيح أنه رآه بقلبه ، ولم يره بعين رأسه ، وقوله : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى النجم : 11 ، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى النجم : 13 ، صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أن هذا المرئيّ [ جبرائيل ] ، رآه مرتين على صورته التي خلق عليها . وأما قوله تعالى في سورة النجم : ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ، فهو غير الدنوّ والتدلي المذكورين في قصة الإسراء ، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبرائيل وتدلّيه ، كما قالت عائشة وابن مسعود رضي اللّه عنهما ، فإنه قال : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى . وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى . ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى النجم : 5 - 8 . فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى ، وأما الدنوّ والتدلي الذي في حديث الإسراء ، فذلك صريح في أنه دنوّ الرب تعالى وتدليه « 191 » . وأما الذي في سورة النجم : أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى ، فهذا هو جبرائيل ، رآه مرتين ، مرة في الأرض ، ومرة عند سدرة المنتهى . ومما يدل على أن الإسراء بجسده في اليقظة ، قوله تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الاسراء : 1 . والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح ، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح ، هذا هو المعروف عند الإطلاق ، وهو الصحيح . فيكون الإسراء بهذا المجموع ، ولا يمتنع ذلك عقلا ، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة ، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر . فإن قيل : فما الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس أولا ؟ فالجواب - واللّه أعلم - : أن ذلك كان إظهارا لصدق دعوى الرسول صلى اللّه عليه وسلّم المعراج حين سألته قريش عن نعت بيت المقدس فنعته لهم وأخبرهم عن غيرهم التي مر عليها في طريقه ، ولو كان عروجه إلى السماء من مكة لما حصل ذلك ، إذ لا يمكن اطلاعهم على ما في السماء لو أخبرهم عنه ، وقد اطلعوا على بيت المقدس ، فأخبرهم بنعته . وفي حديث المعراج دليل على ثبوت صفة العلو للّه تعالى من وجوه ، لمن تدبره ، وباللّه التوفيق .
--> ( 191 ) قلت لكن في ثبوته نظر كما تقدم آنفا .